ابن حزم

700

الاحكام

أيضا ، وإنما أمر أن يقضي بالبينة العدلة عنده ، ولا يقدر على أكثر من أن يحكم بالعدالة الظاهرة إليه ، وبظاهر العلم عنده ، وكما أمر بقبول اليمين من المنكر ، وهما شيئان متغايران : أحدهما : بما شهدت به البينة ، وألا يقضي على من حلف في قضية ألزم فيها اليمين ، فهذا هو الذي ألزم النبي صلى الله عليه وسلم وألزمنا نحن بعده السلام . والثاني : أن يمكن صاحب الحق في علم الله تعالى من حقه ، وهذا لا سبيل إلى علمه في كل موضع ، فإن حرمنا هذا وحرمنا وفاق العدل عند الله عز وجل . فلا إثم ولا حرج ، لأنه لا سبيل إلى علم ذلك بيقين ، ولا كلفناه ، وهذا لا يسمى اجتهادا على الاطلاق ، ولكنه يقين اتباع ما أمر به عليه السلام من الحكم بالعدول على حسب ما يطيق على معرفته ، وهو الظاهر ، وبقبول يمين المنكر ، ولا سبيل إلى اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في شرع الشرائع ، والأوامر عنده واردة متيقنة ، ولا إشكال فيها . يعمل خاصها من عامها ، وناسخها من منسوخها ، ومستثناها من المستثنى منه ، علم يقين ومشاهدة في جميع ما أنزل عليه . وأما الاجتهاد الذي كلفناه نحن ، فهو طلب هذه المعاني ، ولم نشاهدها كلها فنعلمها لكن نقبلها من الثقات الذين أمرنا الله تعالى بقبول نذارتهم إلى أن يبلغونا إلى الذين شهدوها ، وهم ونحن لا نعلم كل ذلك علم يقين . فإن اعترض معترض بفعله عليه السلام في أخذ الفداء ، فنزل من عتابه على ذلك ما نزل . فالجواب : أننا لا ننكر أن يفعل عليه السلام ما لم يتقدم نهي من ربه تعالى له عنه ، إلا أنه لا يترك وذلك ، ولا بد من أن ينبه عليه . وأما الوهم من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقصد بذلك فعل الخير ، فلسنا ننكره إلا أنه لا يقر عليه البتة ، وهذا لا يجوز أن يكون في شرع شريعة ، ولا إيجاب فرض ، ولا تحريم ، وإنما هو فيما قدره مباحا له ، إذ لم ينه عنه قبل ذلك ، لكن كفعله بابن أم مكتوم إذ نزلت : * ( عبس وتولى ) * . وقد احتج بعضهم ممن أجاز الاجتهاد بالرأي في الدين ، بأمر سليمان وداود عليهم السلام : * ( إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ) * . قال أبو محمد : وهذه مسألة اختلف الناس فيها على وجوه ، فقوم قالوا : نسخ الله حكم داود بحكم سليمان عليهما السلام .